الذهبي

77

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

على الملوك ، فكانوا يحملونه ويَحْمُونَهُ بما كان يلقي إليهم من شُبه البدع والشرك . وفي حين عودي من الرِّحلة ألفيتُ حضرتي منهم طافحة ، ونار ضلالهم لافحة ، فقاسيتهم مع غير أقران ، وفي عدم أنصار إلى حسادٍ يطؤون عقبي ، تارة تذهب لهم نفسي ، وأخرى ينكشر لهم ضرسي وأنا ما بين إعراضٍ عنهم ، أو تشغيبٍ بهم ، وقد جاءني رجلٌ بجزءٍ لابن حزم سمَّاه " نُكَت الْإِسلام " ، فيه دواهي ، فجرَّدتُ عليه نواهي ، وجاءني آخر برسالة في الاعتقاد ، فنقضتها برسالة " الغُرّة " . والَأمر أفحش من أن يُنقض ، يقولون : لَا قول إِلَّا ما قال الله ولا نتبع إلا رسول اللَّه . فإنَّ اللَّه لم يأمُر بالاقتداءِ بأحدٍ ، ولا بالاهتداء بهدْي بشر فيجب أن يتحققوا أنهم ليس لهم دليل ، وإنما هي سخافَةُ في تهويل ، فأوصيكم بوصيّتين : أنْ لَا تستدِلّوا عليهم ، وأن تطالبوهم بالدّليل ؛ فإنّ المُبتَدِع إذا استدللت عليه شَغّب عليك ، وإذا طالبته بالدَّليل لم يجد إليهِ سبيلا . فأمَّا قولهم : لَا قول إِلَّا ما قال اللَّه ؛ فحق ، ولكن أرِني ما قال اللَّه . وأمَّا قولهم : لَا حُكم إِلَّا للَّه فغير مُسَلَّمٍ على الْإِطلاق ، بل من حُكْم اللَّه أن يجعل الحُكْمَ لغيره فيما قاله وأخبر به ، صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَإِذَا حاصرْت أَهْلَ حصنٍ فَلَا تُنزلهم عَلَى حُكْمِ اللَّه ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّه ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حْكُمِكَ " ، وَصَحَّ أَنَّهُ قَالَ : " عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ " . الحديث . وقال اليسع بن حزم الغافقي ، وذكر أبا محمد بن حزم فقال : أمَّا محفوظه فبحرٌ عُجاج ، وماءٌ ثجاج ، يخرج من بحره مَرْجان الحِكَم ، وينبت بثَجّاجه أَلْفَافُ النِّعم في رياض الهِمم . لقد حفظ علوم المسلمين ، وأربى على كل أهل دين ، وألَّف " المِلل والنِّحل " . وكان في صباه يَلْبس الحرير ، ولا يرضى من المكانة إِلَّا بالسرير . أنشد المعتمد ، فأجاد ، وقصد بَلَنسية ، وبها